الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

نفحات الولاية

ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم » فالعبارة درس عظيم لكافة الأفراد في استصغار أعمالهم عند اللَّه ، وذلك أنّهم إذا أكبروا هذه الأعمال تعلقوا بها وازداد أملهم بها فيفتروا في سعيهم ؛ الأمر الذي يسلبهم خوف اللَّه الذي يعتبر من أحد العوامل المهمة للحركة نحو الكمال . وبغض النظر عما سبق فما عساناً أن نكون وما أعمالنا التي تليق بساحة الربوبية المطلقة . كان الحديث في بعض الصفات السابقة عن عدم اعجاب الملائكة بأعمالها ونفسها ، وجرى الحديث هنا عن تأثير الاعجاب في تغلب الرجاء على الخوف ؛ الأمر الذي يصد أصحاب الحق عن مواصلة مسيرتهم ويمنعهم من التكامل ، وذلك لأنّ الإنسان إذا شعر بكبر أعماله عند اللَّه ، راوده الشعور بأنه دائن ، ومن رأى نفسه دائنا اكتفى بما أتى من أعمال وتخلف عن سلوك سبيل التكامل . ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن سائر خصائص الملائكة التي يحتاجها الإنسان بشدة ، ومنها عدم اختلافهم في ربّهم ، ثم يعزى الإمام عليه السلام هذا الاختلاف إلى الوساوس الشيطانية أحيانا ، أو الرذائل الأخلاقية أحياناً أخرى . فقال عليه السلام : « لم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم » فالعبارة تحمل رسالة واضحة للجميع ، وهى أنّ مصدر اختلاف المذاهب والأديان إنّما يعود بالدرجة الأساس إلى الوساوس الشيطانية ، وذلك لأنّ الاختلاف - لا سيما إن كان عقائدياً - إنّما يفضي لأنواع النزاعات والحروب والاضطرابات ؛ الأمر الذي يهدد مصيرالإنسان ويقضي على سعادته . ثم أشار عليه السلام بعد ذلك إلى العوامل الداخلية والرذائل الأخلاقية التي تؤدي إلى الاختلاف ، وإن التعامل السئ لم يفرق هذه الملائكة ، ولم يبعدها الحسد عن بعضها ، كما أن الشك والترديد لم يفرقها ويشتت أمرها : « ولم يفرقهم سوء التقاطع ، ولاتولاهم عن التحاسد ، ولاتشعبتهم مصادر الريب ، ولا اقسمتهم أخياف « 1 » الهمم » فالواقع هو أنّ عمدة عوامل الاختلاف قد بينت في هذه العبارات القصيرة . فلو تعامل الأفراد مع بعضهم البعض الآخر بشكل صحيح وفق معايير الأدب ، لحيل دون أغلب

--> ( 1 ) « أخياف » من مادة « خيف » على وزن هدف وهو في الأصل ما انحدر من سفح الجيل ، وأريد به هنا سواقطالهمم . وتعني إختلاف العينين مثلًا واحدة زرقاء وأخرى سوداء ، ثم أطلقت على كل إختلاف .